Orthodoxy St.Sava's Monastery

Orthodoxy St.Sava's Monastery

Thursday, November 27, 2014

ضرورة تأنس (تجسد) الكلمة الرب يسوع المسيح


ضرورة تأنس (تجسد) الكلمة الرب يسوع المسيح

تجسد أو الأصح تأنس الكلمة هو حدث تاريخي إبتدأ بالبشارة حيث ان كلمة الله دخل أحشاء البتول مريم العذراء بعدما اصطفاها ونقاها بالروح القدس، فأخذ لنفسه جسدا من جسدها ودما من دمها، ورأيناه بالميلاد في مغارة بيت لحم حيث شهد لهذا الحدث الرعاة والملائكة بشرت بهذا الحدث والنجم أشار إليه مستدعيا المجوس عبدة النجوم ليسجدوا لهذا الحدث. وكما يقول القديس يوحنا البشير: و"الكلمة صار جسدا وحل بيننا ، ورأينا مجده ، مجدا كما لوحيد من الآب ، مملوءا نعمة وحقا" (يو1: 14).
 ضرورة التأنس أو التجسد
عندما نقول ضرورة يجب ان نقف عند هذه الكلمة ونفهم تخص من هل هي تخص الله أو تخص البشر؟ بمعنا أخر لمن هس هذه الضرورة. فالله غير خاضع للضرورة أو الحاجة فهو منزه عنها، هو ليس بحاجة الى شيء. هو يعمل فقط من فيض محبته وليس بحكم الضرورة والحاجة. فإذا كان الأمر كذلك، فضرورة التجسد هي لأن البشرية كانت بحاجة الى الله وبحاجة الى خلاص وفداء منه وبه، فبهذا البشرية هي التي تحت حكم الضرورة وليس الله. سقوط الإنسان بالتعدي على كلمة الله هو الذي أدى الى مثل هذه الحاجة أو الضرورة لأن البشرية التي خلقها الله بمحبته وصلاحه خُلقت لتبقي خالدة مع الله مصدر كل صلاح. فالله بدافع محبته، رحمته وصلاحه لم يشأ ان يرى جنس البشر قابعا في الهلاك والموت بهذه البشاعة فدبر الله للإنسانية خلاصا. فيقول القديس باسيليوس الكبير في قداسه اإلهي" فإنكَ لم تُعرِضْ إلى الأبدِ عن جَبلَتَكَ التي صَنَعتَها، أَيُّها الصالحُ، ولم تَنسَ عملَ يديْكَ، بلْ افتقدْتَهُ بطرقٍ كثيرة بأحشاءِ رحمتِكَ...... ولَّما حانَ كمالُ الأزمنة، كلَّمْتَنا بابنِكَ نفسِه، الذي بهِ صنعتَ الدُّهور.
من هنا نرى ان هناك مشكلة عانت منها البشرية بعد الخلق ألا وهي السقوط. يطرحها الكتاب المقدس في العهد القديم مع رجاء لحلها، وهي بحاجة إلى حل، وحل هذه المشكلة يأتي بالمسيح يسوع كلمة الله الذي به كان قد خُلق كل شيء به لم يكن شيء مما خُلق (يو 1: 3). حل المشكلة يبدأ بالبشارة لحظة التأنس مرورة بالولادة البتوليةومن ثم التعاليم السامية، الى ان تكمل بالفداء على الصليب وتحقيق النصر بالقيامة المجيدة ومن ثم الصعود الى ميامن الاب وإرسال الروح القدس.
فالتجسد إذا هو أول خطوة نحو حل أزمة الإنسانية (تجديد الخليقة).        
 المشكلة أو أزمة البشرية هي "السقوط" ( انظر تكوين الإصحاح الثالث) 

السقوط كان نتيجة فعل حر للإنسان عندما خالف الوصية، بعدما حُذر الانسان مع عاقبة العصيان إلا أنه خرق وصية الله وكانت من عواقب هذا العصيان الموت والفساد الذي عمّ البشرية كلها وساد عليها سيادة شرعية. فمع أن البشر قد خُلقوا ليحيوا في سعادة، إلاّ أنهم انتهوا إلى حالة التعاسة، لأنهم أهملوا كل ما هو صالح وانجذبوا إلى كل ما هو مادى. وتنكروا الله ولمحبته، وأسلموا أنفسهم لشهواتهم الذاتية.  وهكذا فبإبتعادهم عن االله وصلوا إلى الفناء، إذ أن غياب الشركة مع الله تعنى فقدان الحياة وبالتالي الموت المطلق.
يقول القديس مكسيموس المعترف: آدم اختار بحرية الخطيئة فأصبحت طبيعته عرضة للهوى والفساد والموت هذه الحالة لم يُحدثها الله، ولا كانت شيئا ما قد امتلكه الإنسان في بدايته؛ إنما الإنسان بنفسهِ أحدثها ووصل إلى معرفتها "من خلال عصيانه" عندما أتى إلى الوجود بالخطيئة المختارة بحرية. إن إدانته حتى الموت هي بوضوح نتيجة هذا العصيان.
يقول بولس الرسول "لان أجرة الخطيئة هي الموت "(رومية 6: 23) 

الانسان بالطبيعة مخلوق من الله بحسب سفر التكوين كالتالي: 
1.   من العدم
2.   على صورة الله ومثاله
3.   يحيا بنفخة من الله – بما معناه ان الله هو مصدر الحياة للانسان وعليه يجب ان يعيش بشركة مستمرة معه.
الله كخالق يضع شروط للعلاقة معه كونه أعطى الانسان حرية كبيرة، حدّهُ بنظام لكي يحمل الانسان مسؤولية حُريته. فهذا الشرط يحفظ العلاقة ويصونها وبالتالي يبقى الانسان غير فاسد وغير مائت ( يقول سفر الحكمة حفظ شرائعه تحقيق عدم الفساد اي الخلود- الحكمة 6: 19)
فبتجاوز هذه الوصايا أو الشروط يفقد الانسان علاقة الشركة مع الله وبالتالي يخسر الصورة والمثال وكما يقول اثناسيوس الكبير صورة الله هي الإرادة الذهنية الحرة والمثال هو ان الانسان صُنِع  على أكمل وجه يؤهله البلوغ بالفضيلة نحو الله بحيث ينمو بها الى ملئ الله.
النتيجة المحتمة لفقدان الشركة مع الله والسقوط من الصورة والمثال يُدخل الانسان الى دائرة الفساد والموت، ويعود الى ما كان عليه قبل الخلق اي الى العدم ( عدم الوجود )[1]. ( حيث يقول القديس أثناسيوس كل ما هو شر فهو عدم وكل ماهو خير هو كائن وموجود) . 
اتفقنا إذا ان هناك مشكلة تحتاج الى حل ، فالحل هو بتجسد الكلمة ابن الله المولود منه قبل كل الدهور. لماذا؟
لانه كان الجنس البشرى سائرًا إلى الفناء وكانت صورة الله فيه سائرة إلى الاضمحلال والتلاشى. لهذا كان أمام الله أحد أمرين: إما أن يتنازل عن كلمته التى تعدى عليها الإنسان فجلب على نفسه الخراب؛ أو أن يُهلك الإنسان الذى كان له شركة في الكلمة. وفي هذه وفي كلى الحالتين يفشل قصد الله. فماذا إذن؟ يقول القديس اثناسيوس أيحتمل هذا صلاح الله؟ وإن كان الأمر كذلك فلماذا خلق الإنسان؟ لو أن هذا حصل لدل على ضعف الله لا على صلاحه.
    وبما انه لا يليق أن تَهْلَك الخليقة وترجع إلى العدم بالفساد تلك الخليقة التى خُلِقّتْ عاقلة، وكان لها شركة في الكلمة. 
كان يجب إذن أن لا يُترك البشر لينقادوا للفساد لأن هذا يُعتبر عملاً غير لائق ويتعارض مع صلاح الله. فكون الموت هو العدو اللدود لذلك كان لا بد ان يُغلب الموت الذي بسببه يخطئ الجميع (رومية 5: 12)[2] وإذا قلنا ان الموت هو أنفصال البشر عن الله لإاخذ الكلمة ( اقنوم الأبن على عاتقه ان يتجسد ليعيد اللحمة بين الله والبشر وهذا بالفعل ما يليق بصلاح الله ومحبته بأن ينحدر من سماءه وينحني على خليقته لينقذها من الهلاك.
      فالقديس اثناسيويس يقول :  لقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعدًا يُمنع الفساد من أن يسرى في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدّم للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدّسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر. ( تجسد الكلمة الفصل العاشر)

      تشبيه للقديس أثناسيوس :
    وفى الحقيقة، إن هذا العمل العظيم هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس مَلِك منزلاً أو مدينة ثم بسبب إهمال سكانها حاربها اللصوص، فإنه لا يهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويخلّصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل إلى مايليق به هو ذاته. هكذا وبالأكثر جدًا فإن كلمة الآب كلّي الصلاح، لم يَتَخَل عن الجنس البشري الذي خُلق بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر .

      شواهد كتابية :
      لان محبة المسيح تحصرنا.اذ نحن نحسب هذا انه ان كان واحد قد مات لاجل الجميع فالجميع اذا ماتوا.  وهو مات لاجل الجميع كي يعيش الاحياء فيما بعد لا لانفسهم بل للذي مات لاجلهم وقام. (2 كور 5: 14-15).
ولكن الذي وضع قليلا عن الملائكة يسوع نراه مكللا بالمجد والكرامة من اجل الم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لاجل كل واحد.  لانه لاق بذاك الذي من اجله الكل وبه الكل وهو ات بابناء كثيرين الى المجد ان يكمل رئيس خلاصهم بالالام. (عبرانين 2: 9-10)
بهذه الآيات يقصد ان يبين لنا انه لم يكن مستطاعا لأحد آخر أن يرّد البشر عن الفساد غير كلمة الله الذي به قد خلق البشر في البدء.
اذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية (عبرانين 2: 14-15)
        لأنه بذبيحة جسده وضع نهاية لحكم الموت الذي كان قائمًا ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة من بين الأموات الذى أعطاه لنا. لأنه إن كان بإنسان واحد قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضًا فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمّت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح بولس الرسول: "فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيُحيا الجميع" (1كور 15: 21-21)  وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمدانين، بل كأناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميع والتي سيبيّنها في أوقاتها التي يحددها الله الذي أتمها والذى وهبنا إياها (1تي 6: 15)
لان المسيح هو الله المتجسد، فهو وحده بقادر ان يظهر لنا الله، وهو وحده القادر أن يجدد الصورة الإلهية في الإنسان، تجسُد المسيح هو الذي فَتَحَ لنا باب الشركة مع الله فنصير شركاء الطبيعة الإلهية، بتعبير بطرس الرسول (2بط 1: 4)
      كما ويضيف القديس اثناسيوس بان المسيح أخذ جسدنا لأن البشر قد تركوا التأمل في الله وانحطت نظراتهم إلى أسفل كأنهم قد غاصوا في الأعماق باحثين عن الله في عالم الحسيّات، صانعين لأنفسهم آلهة من البشر المائتين ومن الشياطين، لهذا فإن مُحّب البشر ومخلّص الجميع كلمة الله أخذ لنفسه جسدًا ومشى كإنسان بين البشر، وجذب أحاسيس كل البشر نحو نفسه، لكي يستطيع أولئك الذين يظنون أن الله له جسد مادى، أن يدركوا الحق عن طريق الأفعال التي يعملها الرب بواسطة جسده، وعن طريقه يعرفون الآب (الفصل 15)
     ولأجل هذا السبب وُلِد وظهر كإنسان، ومات، وقام. وهو قد أظهر بأعماله التي غطّت على أعمال كل من سبقوه من البشر، فأن أعمالهم ضعيفة. وحتى إذا انحرفوا إلى أية ناحية فإنه يستردهم من هناك ويعلّمهم عن أبيه الحقيقي، كما يقول عن نفسه: " أنا قد جئت لكى أطلب وأخلّص ما قد هلك". (لوقا 19: 10)
فالرسول بولس يقول: آخر عدو يُبطل هو الموت (1كو 15: 26) – الرب يسوع المسيح حقق هذا سلفا بموته وقيامته مبطلا دائرة الموت والفساد التي لا تنتهي، بدون قيامة لا يوجد خلاص، قيامة المسيح قتلت الخطيئة وأبطلت قوة الشيطان، بإبطال أصل قوتِهُما بالذات : اي الموت والفساد. من هنا نردد أن المسيح بتجسده تغلب على البشرية الخاطئة المريضة فقدسها ووحدها بلاهوته وتغلب على الخطيئة بموته وتغلب على الموت بقيامته . وقد سبق وتنبأ هوشع النبي من يد الهاوية افديهم من الموت أخلصهم (هو13: 14)

     كيف نحن نشارك في تجسد الكلمة
    شواهد أبآئية
     بما أن الموت، هو العدو الأول للإنسان وهو المرض واللعنة التي انتكس بهما، نرى أن البشرية احتاجت الى دواء ضد الموت. يقول القديس غريغوريوس النيصصي " طبيعتنا البشرية احتاجت الى شافٍ. إنساننا الساقط احتاج إلى من يُقَوِمَهُ . من فقد النعمةَ احتاجَ إلى مانح الحياة "
والقديس يوحنا الدمشقي يقول: "من هو بلا بدأ ولا جسد تجسد من اجل خلاصنا لكي يخلص المِثلَ بالمثلِ".
والقديس اغناطيوس الانطاكي يقول لقد ظهر الله متأنسا ليحقق النظام الجديد إي الحياة الخالدة ( إي القضاء على الموت)
لذلك فان جسد الكلمة المتجسد ودمه هما الترياق (العلاج أو الدواء) ضد الموت ، إذ يقول القديس اغناطيوس الانطاكي "…. تكسرون الخبزة الواحدة التي هي دواء للخلود، تقدمة معدة لتحفظنا من الموت تؤمن لنا الحياة الدائمة في المسيح". الرسالة إلى افسس الآباء الرسوليون (ص 114).

من هنا حفظ الوصايا الألهية والجهاد ضد الخطيئة واللأشتراك في الذبيحة الإلهية التي هي دواء ضد الموت يجعل تجسد الكلمة في قربة منا فهو اتانا بإنسانيته علمنا ما معنا الإنسانية ليحقق بلاهوته لنا القداسة والتأله بنعمته اذا تبعناه وآمنا به وعملنا وصاياه  كما يقول بولس الرسول أحملوا بعضكم اثقال بعض وتمموا ناموس المسيح.

الأب الياس خوري – 13-11-2014





[1]  القديس أثناسيوس يقول:
وهكذا خلق الله الإنسان وكان قصده أن يبقى في غير فساد. أما البشر فإذ احتقروا التفكير في الله ورفضوه، وفكروا في الشر وابتدعوه لأنفسهم كما أشرنا أولاً، فقد حُكِمَ عليهم بحُكْم الموت الذي سبق إنذارهم به، ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد كما خُلقوا، بل إن أفكارهم قادتهم إلى الفساد ومَلَك عليهم الموت. لأن تعدي الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما وُجِدوا من العدم هكذا أيضًا بالضرورة يلحقهم الفناء بمرور الزمن.الفصل الرابع
[2]  ادم مات لأنه خطئ ، نحن الآن نخطئ لأننا نموت " من اجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم ، وبالخطيئة الموت هكذا اجتاز الموت إلى الجميع بسبب ذلك اخطأ الجميِع (رو 5: 12) أنظر أيضا كتاب سألتني فأجبتك الملحق (الخلاص بين الشرق والغرب).

No comments:

Post a Comment